Sunday, April 17, 2022

الإرهاب والاضطراب في إسرائيل والضفة الغربية


 الإرهاب والاضطراب في إسرائيل والضفة الغربية






بواسطة آنا أهرونهايم, ماثيو ليفيت, غيث العمري

٨ أبريل ٢٠٢٢

 


Israeli police respond to a shooting in Tel Aviv - source: Reuters


Open imageicon


عن المؤلفين

Anna Ahronheim

آنا أهرونهايم

آنا أهرونهايم هي مراسلة للشؤون العسكرية والدفاعية لصحيفة "جيروزاليم بوست".

Matthew Levitt

ماثيو ليفيت

ماثيو ليفيت هو زميل أقدم ومدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات في معهد واشنطن.

Ghaith al-Omari

غيث العمري

غيث العمري هو زميل أقدم في معهد واشنطن.

تحليل موجز

يناقش ثلاثة خبراء مخاطر تصعيد العنف على الأرض، ورد إسرائيل والسلطة الفلسطينية حتى الآن، وخيارات السياسة الأمريكية.


"في 5 نيسان/أبريل، عقد معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي مع آنا أهرونهايم وماثيو ليفيت وغيث العمري. وأهرونهايم هي مراسلة للشؤون العسكرية والدفاعية لصحيفة "جيروزاليم بوست". وليفيت هو زميل "فرومر- ويكسلر" ومدير برنامج "راينهارد للاستخبارات ومكافحة الإرهاب" في المعهد. والعمري هو زميل أقدم في المعهد ومستشار سابق لفريق التفاوض الفلسطيني في الفترة 1999-2001. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم".


 


آنا أهرونهايم

رغم تصاعُد التوترات وازدياد التواجد الأمني في إسرائيل والضفة الغربية خلال الأسابيع القليلة الماضية، لم تهدد «حماس» بإطلاق القذائف على إسرائيل، ولم تهدد «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» بالانتقام بعد مقتل بعض عناصرها. ومن جهتها، امتنعت إسرائيل عن فرض قيود على زيارة الفلسطينيين لجبل الهيكل/الحرم الشريف. ومن الواضح أن أياً من الطرفين لا يريد تكرار النزاع العسكري الذي دار في أيار/مايو 2021. وعلى الرغم من أن الشهر الحالي سيكون شديد التوتر، فمن المحتمل أن يتلاشى الضغط مع اقتراب نهاية شهر رمضان. ومن المستبعد حدوث هجمات خلال عيد الفصح، هو الحال بالنسبة للانتفاضة الثالثة - فمعظم الفلسطينيين لا يريدون ذلك أو الحملة الإسرائيلية التي ستَتْبعها.


وكان الهجوم الذي نفذه تنظيم «الدولة الإسلامية» («داعش») في 27 آذار/مارس في الخضيرة بمثابة جرس إنذار لمسؤولي الأمن الإسرائيليين. ففي السابق، كانوا يركزون على الجانب الإجرامي للعنف نظراً للعدد الكبير من البنادق والجرائم المتزايدة في الأحياء العربية، لذلك تراجع تهديد تنظيم «داعش» إلى أسفل سلّم أولوياتهم. وقد ارتكب جهاز الأمن العام الإسرائيلي ("الشاباك") والشرطة خطأً - إذ لم يدركا بشكلٍ كافٍ خطر إيديولوجية تنظيم «الدولة الإسلامية» بالإضافة إلى الكميات الكبيرة من الأسلحة غير القانونية في المناطق التي تم التخلي عنها أساساً. وبدأت الشرطة تفهم الآن خطورة الوضع وتقوم بقمع تهريب الأسلحة من الأردن ولبنان وسيناء. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يجب إنجازه. فالأهالي في بعض البلدات العربية حاولوا إيقاف الشرطة عند ملاحقتها لمثل هذا التهريب؛ وفي الواقع، نشأ جيلٌ كاملٌ من الإسرائيليين العرب على ما يعتبرون أنه حريةً التصرف لأن الشرطة لن تدخل بلداتهم.


وعلى الصعيد السياسي، لا تُظهر إسرائيل جبهة موحدة في هذه القضايا. ففي ظل حالة العنف، يلقي بعض نواب المعارضة اللوم على الضعف الملحوظ لحكومة رئيس الوزراء نفتالي بينيت. كما أن وزير الدفاع بيني غانتس يريد نفوذاً أكبر مما يتمتع به حالياً، مما يسبب توتراً مع بينيت.


وفيما يتعلق بالتهديدات الخارجية، يتكهن البعض بأن إيران تقف وراء بعض الهجمات الأخيرة. وربما تحاول «حماس» التقرّب من إيران وخلاياها في الضفة الغربية، أو ربما تدفعها طهران إلى تنفيذ المزيد من الهجمات خلال الأعياد. وهناك أيضاً مهاجمون منفردون غير مرتبطين بأي جماعة أو دولة. وكالعادة يشكل «حزب الله» مصدر قلق، لكن من غير المرجح أن يهاجم إسرائيل على المدى القريب.


ومن الناحية الإيجابية، يمكن أن يساعد القادة في تخفيف التوترات عبر تنفيذ المزيد من الخطوات التي تشبه المحادثة الهاتفية التي جرت في الخامس من نيسان/أبريل بين غانتس ورئيس "السلطة الفلسطينية" محمود عباس، وذلك بعد أن أدان عباس علناً الهجوم الذي حدث في بني براك (براق). كما يمكن الاستفادة كثيراً من التنسيق الإسرائيلي مع قوات الأمن التابعة لـ "السلطة الفلسطينية"، حيث أنها أوقفت العديد من الهجمات ضد الإسرائيليين.


ماثيو ليفيت

فوجئ الكثيرون بأن الهجمات الجديدة يشنها عناصر تابعون لتنظيم «الدولة الإسلامية» وليس «حماس». ومع هذا، لا يبدو ذلك بمثابة بداية لتزايُد التهديد الذي يطرحه تنظيم «داعش» في إسرائيل. وبالأحرى أدت مجموعة من العوامل إلى حالة العنف الراهنة.


أولاً، بينما سعت «حماس» إلى تجنب نشوب ذلك النوع من النزاع العسكري الواسع النطاق الذي اجتاح معقلها في غزة في أيار/مايو الماضي، إلّا أنها لم تتوقف أبداً عن الاستعداد للعنف في إسرائيل والضفة الغربية. فكانت تزيد باستمرار تحريضها على "واتساب" و"تلغرام" ومنصات أخرى، حيث ادّعى العديد من مستخدمي هذه التطبيقات أن «حماس» هي الجماعة الوحيدة التي تتقدّم للدفاع عن الفلسطينيين.


ثانياً، تمكنت الجماعات القتالية الأخرى (مثل «كتائب شهداء الأقصى») من استعادة وجودها خلال موسم انتخابات العام الماضي. فاستعداداً لتلك الانتخابات، خففت "السلطة الفلسطينية" من أنشطتها الأمنية، لا سيما في شمال الضفة الغربية. وعلى الرغم من أن قوات "السلطة الفلسطينية" استأنفت وتيرتها الطبيعية للعمليات بعد تأجيل التصويت بسبب نزاع أيار/مايو، إلا أن المقاتلين استغلوا الهدوء الأمني المؤقت ​​من أجل إعادة التحضير للهجمات المستقبلية والاستعداد لها.


ثالثاً، يشير المسؤولون الإسرائيليون إلى أن إيران تقود بصورة نشطة التوترات الحالية عن طريق «حماس»، بهدف زيادة العنف خلال تزامن شهر رمضان وعيد الفصح اليهودي وعيد الفصح المسيحي (القيامة) في الفترة التي تسبق الذكرى السنوية الأولى لنزاع غزة. وعادةً ما ينفذ الإرهابيون المزيد من الهجمات خلال شهر رمضان، وقد يوفر تزايُد وجود السياح المزيد من الفرص التي يمكن استغلالها.


إنّ أحد العوامل التي يجب أن تأخذها السلطات في الاعتبار هو أن قيادة «حماس» ليست موحدة. فالرئيس إسماعيل هنية، ومسؤول غزة يحيى السنوار، ونائب رئيس المكتب السياسي صالح العاروري ​​مقربون جداً من إيران ويعملون غالباً مع كل من «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني و«حزب الله». ومع ذلك، يريد خالد مشعل، رئيس الفرع الخارجي للحركة، أن تتمسك «حماس» بجذورها السنية أكثر من إيران التي يقودها الشيعة. ويرحب بالدعم الإيراني لكنه يرى أن مستقبل الحركة مرتبط بالدول الخاضعة للحُكم السني.


ويؤثر هذا الانقسام الداخلي على عملية صنع القرار داخل «حماس» حول أعمال العنف بشكلٍ خاص، لأن كلاً من هؤلاء القادة يملك القدرة على دعم الخلايا الإرهابية. فالسنوار هو الأقرب إلى «كتائب الشهيد عز الدين القسام»، لكن العناصر التابعة لمشعل يمكن أن تشن هجمات خاصة بها من الضفة الغربية أو لبنان. ويتفق كل من هنية والسنوار والعاروري مع إيران على ضرورة تنفيذ المزيد من العمليات، لكنهم يفضلون إبقاء العنف محصوراً في الضفة الغربية وإسرائيل، وأحد أسباب ذلك هو أملهم في الحفاظ على تدفق الأموال القطرية إلى غزة وتمكين ناخبيهم من الاحتفاظ بوظائفهم داخل إسرائيل. لذلك، فمن غير المرجح أن يتجدد إطلاق القذائف من غزة في الوقت الحالي. لكن في حال اتساع نطاق العنف، يخشى بعض الخبراء أن تطلق «حماس» القذائف من لبنان، حيث كانت العناصر المقربة من مشعل أكثر نشاطاً في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وقد تكون حريصة على فتح جبهة أخرى وإثبات نفوذه.


وقد ركزت السلطات داخل إسرائيل على إزالة بؤر التوتر التي يمكن أن تؤدي إلى نشوب نزاع أوسع نطاقاً. فهي تدرك أن «حماس» تركز على القدس وتبحث عن أي عذرٍ للإدعاء بأن إسرائيل تمنع الوصول إلى المسجد الأقصى. كما أنها تحاول تجنب الوفيات، لأن المآتم الناتجة عن ذلك في الضفة الغربية قد تصبح بؤر اشتعال. وبالمثل، يسعى المسؤولون الأمنيون في "السلطة الفلسطينية" إلى ردع «حماس» من القدرة على إشعال النزاع. وتُقلل جميع هذه الجهود من فرص حدوث زيادة كبيرة في انتشار أعمال العنف على نطاقٍ واسع، مع أن البدء بمثل هذا التصعيد لن يتطلب الكثير من الجهد.


أما بالنسبة لعامل تنظيم «الدولة الإسلامية»، ففي حين دفعت الهجمات الأخيرة التنظيم مجدداً إلى أعلى سلّم الأولويات الأمنية في إسرائيل، تبقى الحقيقة أنه من الصعب إيقاف المهاجمين الفرديين والخلايا الصغيرة، حتى في الحالات التي يكون فيها الأفراد تحت مراقبة الدولة أساساً. أما عدد مناصري تنظيم «الدولة الإسلامية» في إسرائيل فقليل نسبياً، لذلك من غير الواضح ما إذا كان هذا التهديد سيزداد في المستقبل القريب.


غيث العمري

الضفة الغربية عالقة بين ديناميتين متضاربتين. فمن جهة، يدرك المسؤولون الفلسطينيون والإسرائيليون والأمريكيون جيداً إمكانية اندلاع أعمال عنف خلال شهر نيسان/أبريل، وقد بذلوا كل ما في وسعهم للاستعداد على صعيد التنسيق الأمني. فكانت قوات "السلطة الفلسطينية" تفكك البنية التحتية لحركة «حماس» في الضفة الغربية، بينما كان الأردن يلتقي بمسؤولين أمنيين إسرائيليين وفلسطينيين. ومن جهة أخرى، لا يزال الوضع متقلباً، وقد ينشب بسهولة نزاع جديد بسبب الإجراءات التي تنفذها إسرائيل مثل زيادة التدابير الأمنية أو عنف المستوطنين. وأدت الانقسامات الداخلية المستمرة داخل حركتَي «حماس» و «فتح» إلى تعزيز حالة عدم اليقين.


وعلى نطاقٍ أوسع، إن عامة الفلسطينيين محبطون ويائسون؛ فلا يثق الكثيرون منهم بالدبلوماسية، ويتزايد دعم العنف. وبما أن معظم الفلسطينيين يعتقدون أن حكومتهم فاسدة ويريدون استقالة عباس، فإن "السلطة الفلسطينية" لا تتمتع بالشرعية التي تحتاجها لممارسة ضبط النفس على عامة الشعب.


وأحرزت الولايات المتحدة بعض التقدم في محاولة تخفيف التوترات. فقد أعادت إدارة بايدن إشراك الفلسطينيين، واستأنفت دعم اقتصادهم، وجددت تقديم المساعدة الأمنية. وبمساعدة المنسق الأمني الأمريكي، بإمكان واشنطن أن تؤدي مجدداً دوراً مهماً بين الطرفين في أوقات الأزمات (على سبيل المثال، نجحت في الضغط على عباس لإدانة الهجوم في بني براك). كما يجب على المسؤولين الأمريكيين التعامل مع شركاء مثل قطر للابتعاد عن الأعمال السلبية وتأدية دور أكثر إيجابية في وقف التصعيد.


وعلى الرغم من تَحسُّن قوات الأمن الفلسطينية من حيث الاحتراف والفعالية، إلا أن الانقسامات السياسية وأزمات الشرعية جعلت "السلطة الفلسطينية" غير قادرة على حُكم بعض أجزاء الضفة الغربية. فلم تَعُد قواتها قادرة على العمل في مخيم جنين للاجئين أو في الخليل؛ وفي الواقع، أصبحت بعض المخيمات حالياً مسلحة بشكلٍ أفضل من الحكومة. ومما يزيد الطين بلة هو حرمان أفراد قوات "السلطة الفلسطينية" بشكلٍ روتيني من تقاضي كامل رواتبهم. وتُهدد كل هذه العوامل بخلق مشاكل أمنية لإسرائيل.


وفيما يتعلق بالأردن، تحسنت العلاقات مع إسرائيل منذ إدارة نتنياهو، وأصبحت المملكة حالياً تشعر براحة أكبر بشأن الترحيب العلني بالمسؤولين الإسرائيليين في عمّان. ووُضعت حالياً بعض التدابير لإدارة الأزمات وخفض التصعيد في حال انتشار العنف. وفي المقابل، تعمل تركيا على تقويض الموقف الأردني من خلال تعزيز علاقاتها مع «حماس» و«الحركة الإسلامية في إسرائيل».


أما إيران، فقد واصلت العمل مع «حماس» و«حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» لتنسيق الهجمات خلال الشهر الحالي. إلا أنها لا تحظى بشعبية كبيرة بين الفلسطينيين وتتمتع بقدرة محدودة على التأثير على رواياتهم. فهم يتأثرون بصورة أكثر بالمنظمات السنية التقليدية مثل جماعة «الإخوان المسلمين».


وعلى الرغم من قلة الدعم الفلسطيني لانتفاضة شاملة، إلا أن الوضع لا يزال هشاً. ومن الممكن أن يؤدي الاقتصاد الضعيف في الضفة الغربية وغزة وأزمة شرعية "السلطة الفلسطينية" واليأس العام إلى نشوب نزاع أوسع نطاقاً.


 


أعد هذا الملخص أليكس شاناهان.

Wednesday, February 12, 2020

الاستمرارية مقابل التجاوز في خطة ترامب للسلام (الجزء 2): الأمن واللاجئون والسرديات

الاستمرارية مقابل التجاوز في خطة ترامب للسلام (الجزء 2): الأمن واللاجئون والسرديات
المرصد السياسي 3257

الاستمرارية مقابل التجاوز في خطة ترامب للسلام (الجزء 2): الأمن واللاجئون والسرديات

 4 شباط/فبراير 2020

تمّ عرض خطة "السلام من أجل الازدهار" التي أطلقها الرئيس ترامب باعتبارها خروجاً عن المقاربات السابقة - وهي فكرة أثنى عليها مؤيدو الخطة (الذين اعتبروها بمثابة اعتراف بالواقع) بينما انتقدها معارضوها (الذين رأوها بمثابة التخلي عن المبادئ القيّمة). وفي الواقع، تختلف الخطة عن الجهود الماضية من حيث جوانبها الأساسية، ومع ذلك، فهناك أيضاً بعض مجالات الاستمرارية، وفي النهاية، سيخضع مدى حصولها على تأييد إلى العديد من المتغيرات السياسية والدبلوماسية المختلفة.
ومع ذلك، سيلعب جوهر وثيقة الخطة بحد ذاتها دوراً كبيراً في تحديد نظرة مختلف أصحاب المصلحة إليها، خاصة تلك المقاطع التي تنحرف عن المسار التقليدي للقضايا الرئيسية. وركز الجزء الأول من هذا المرصد السياسي على قضيتين: الحدود والقدس. ويناقش هذا الجزء الثاني قضايا الأمن واللاجئين والسرديات.
استمرار قبضة إسرائيل على الأمن
سعت مبادرات السلام السابقة إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على المصالح الأمنية لإسرائيل وانتهاك السيادة الفلسطينية بشكل طفيف. وللقيام بذلك، تمّ النظر في مجموعتين من البنود. الأولى كانت بنوداً دائمة لضمان ألّا تصبح الدولة الفلسطينية تهديداً لإسرائيل. وكان يعني ذلك إقامة دولة منزوعة السلاح ووضع ترتيبات دائمة لضمان امتثالها المستمر لهذا التجريد من السلاح وغيرها من الالتزامات الأمنية. وكان يجب أن تستند هذه الترتيبات إلى وجود طرف ثالث مقترح، مع وجود عنصر إسرائيلي محتمل.
أما النوع الثاني من البنود فكانت تدابير انتقالية ترمي إلى الحفاظ على المصالح الأمنية لإسرائيل أثناء تنفيذ الاتفاق النهائي. وتمّ عرض جداول زمنية مرحلية ومتعددة السنوات من أجل إلغاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية، مع إدراك واقع أن الحاجات الأمنية الإسرائيلية الرئيسية (مثل السلطة على قطاع من الأرض على طول نهر الأردن) ستكون آخر التدابير التي سيتمّ إلغاؤها. وتم توقّع المرحلة الانتقالية على أنها مزيج من الجداول الزمنية ومعايير الأداء المرجعية؛ وقد وافقت الولايات المتحدة على المساعدة في تحديد موعد استيفاء هذه المعايير. 
ومن جهتهم، وافق المفاوضون الفلسطينيون على دولة منزوعة السلاح خلال المحادثات السابقة، وهو واقع يقر به الآن علناً رئيس "السلطة الفلسطينية" محمود عباس؛ كما أنهم شاركوا في محادثات مفصلة بشأن تفعيل هذا المفهوم. أما المفاوضون الإسرائيليون، فقد انخرطوا من جانبهم، بمقترحات كانت ستنهي في النهاية قسماً كبيراً من الوجود الأمني الإسرائيلي في الدولة الفلسطينية المستقبلية. وغالباً ما تركزت هذه المحادثات على طول المراحل الانتقالية - حيث طالب الممثلون الفلسطينيون بمراحل أقصر، في حين أصرّ الإسرائيليون على أطر زمنية أطول ووجود دائمي على طول نهر الأردن. 
ويشكّل اعتماد خطة ترامب دولة فلسطينية منزوعة السلاح مواصلة هذا الموقف الأمريكي الراسخ. غير أن هذه الخطة تختلف بشكل جوهري عن وجهات النظر الأمريكية السابقة حول استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية على الدولة الفلسطينية. وبشكل خاص، تَمنح إسرائيل "مسؤولية أمنية أساسية على دولة فلسطين"، وتجعلها "مسؤولة عن الأمن في جميع المعابر الدولية" (الملحق 2 ج). وفي الواقع، يعني ذلك أنه بإمكان إسرائيل شنّ أي عمليات عسكرية أو أمنية داخل حدود فلسطين ومجالها الجوي إلى ما لا نهاية، كما بإمكانها حظر دخول البضائع والأشخاص. وقد مُنحت إسرائيل أيضاً حرية التصرف المطلقة لتحديد الزمن الذي تكون فيه الدولة الفلسطينية قد حققت معايير الأداء المرجعية للنقل الجزئي للصلاحيات الأمنية؛ حتى أنه بإمكانها إبطال هذه الخطوات متى شاءت.
وقد سبق أن انتقد المسؤولون الفلسطينيون هذه البنود، بإشارتهم إلى أنه في حين أن "السلطة الفلسطينية" على استعداد لقبول بعض القيود على سيادتها، إلّا أن الدولة الفلسطينية المستقبلية المتوخاة في خطة ترامب لن تتمتع بأي سيادة على الإطلاق. وقد كررت "الجامعة العربية" و "منظمة التعاون الإسلامي" هذه الحجة نفسها في اجتماعات منفصلة خلال الأيام القليلة الماضية.
حرية تصرف إسرائيل في قضية اللاجئين
تصوّرت جميع الخطط الأمريكية السابقة حلاً لقضية اللاجئين الفلسطينيين بما يتفق مع فكرة دولتين لشعبين. وغالباً، لم يكن من المزمع حل القضية في إسرائيل بل من خلال إعادة توطين اللاجئين في فلسطين، مع بعض خيارات الطرف الثالث المتاحة على أساس السلطة السيادية للدولتين المعنيّتين. وكانت جهود إعادة التوطين هذه لتترافق مع خطة تعويض للاجئين الأفراد، والدولة الفلسطينية، والدول المضيفة، مما يسهل بالتالي اشتراك كل طرف.
وكانت فرق التفاوض الإسرائيلية السابقة قد أصرت باستمرار على رفض أي حق للاجئين في الانتقال إلى إسرائيل. لكنها كانت على استعداد في بعض الأحيان لمناقشة قبول أعداد رمزية على أساس إنساني أو غير ملزم.
ومن الجانب الفلسطيني، ولّدت قضية اللاجئين تباعداً أكبر بين التصريحات العلنية والمواقف المتخذة خلال المفاوضات الخاصة أكثر من أي قضية أخرى. وعلناً، طالب مسؤولو "السلطة الفلسطينية" باستمرار تطبيق كامل لحق العودة. وحتى عندما أبدوا بعض المرونة، استخدموا صيغاً مبهمة مثل دعوة "مبادرة السلام العربية لعام 2002" إلى "حل عادل ومتفق عليه" لقضية اللاجئين. لكن خلال المفاوضات وراء الأبواب المغلقة، كان الممثلون الفلسطينيون على استعداد لمناقشة السماح لعدد محدود فقط من اللاجئين بالإقامة في إسرائيل - رغم أنهم لم يتخلوا بالكامل أبداً عن حق العودة، ولطالما تجاوزت أعدادهم المقترحة بكثير تلك التي كان المفاوضون الإسرائيليون على استعداد للقبول بها.
وتتماشى خطة ترامب مع الأفكار الأمريكية السابقة من حيث أنها لا تقترح حلاً لمشكلة اللاجئين داخل إسرائيل، بل تختلف عنها بطريقتين مهمتين.
أولاً، بينما تنص الخطة على أن الاستيعاب في فلسطين هو الخيار الأول أمام اللاجئين، إلا أنها تضع قيوداً تجعل هذا الخيار رهناً بقرارات إسرائيلية. فقد مُنحت إسرائيل الحق في منع اللاجئين الأفراد الذين تعتبرهم تهديداً أمنياً من دخول الدولة الجديدة. ولها أيضاً رأي في عدد اللاجئين الذين يسمح لهم بالدخول، استناداً إلى مقاطع على النحو التالي: "يجب أن يتفق الطرفان على معدل دخول اللاجئين...إلى دولة فلسطين" (ص 33).
ثانياً، تركز الخطة الجديدة على تعويض اللاجئين على مستوى الدولة أكثر من تركيزها على التعويض الفردي. كما تشير إلى أنه يحق لبلد مضيف واحد فقط - الأردن - الحصول على مثل هذا التعويض، باستثناء الدول المضيفة المحتملة الأخرى. علاوةً على ذلك، سيتمّ في الواقع دمج الأموال المقدمة كجزء من حزمة اللاجئين في صندوق المساعدات العامة في إطار "خطة ترامب الاقتصادية"، ولن يتمّ اعتبارها أموالاً منفصلة. وبموجب هذه المقاربة، سوف تفقد هذه الأموال قيمتها السياسية كمحفز للدول المضيفة لدعم الحل المقترح لقضية اللاجئين في الخطة.
هل يتمّ تأييد سردية إسرائيل؟
إلى جانب تقديم توصيات في مجال السياسة لحل قضايا محددة، تغطي الخطة الأمريكية الجديدة على نطاق واسع القضايا السردية التي تم استبعادها تاريخياً من المبادرات السابقة. وفشلت المحاولات المبكرة للتفاوض بشأن هذه القضايا - على غرار صياغة سردية مشتركة حول أحداث 1948 أو الروابط التاريخية بالقدس - نظراً إلى الطبيعة المتناقضة في أغلب الأحيان بين السرديتين الوطنيتين. ومع مرور الوقت، دفع ذلك بمعظم المفاوضين إلى تجنب التطرق إلى هذه القضايا خلال المحادثات المباشرة.
في المقابل، يبدو أن الطريقة نفسها التي عرض بها ترامب خطته وكأنها تبني إطاراً سردياً مدروساً، رغم الحجة الصحيحة الواردة في الوثيقة بأن "تكرار السرديات السابقة حول الصراع [أمر] غير مثمر" (ص 6). فالإطار العام للخطة وطريقة معالجتها لقضايا معينة يعكسان فهماً محدداً للتاريخ والسرديات المحيطة بالصراع.
ومن المحتمل أن يكون لهذه المقاربة تأثير ضئيل على أي جهود لتنفيذ المبادرة الجديدة، ولكنها قد تقوّض إمكانية الترويج للخطة. ومن المؤكد أن سرد الوثيقة سيعزز الإحساس الفلسطيني بعدم التوازن، لأن نصها أكثر توافقاً مع السرد الإسرائيلي، وفي بعض الحالات يرفض مباشرة السرد الفلسطيني (على سبيل المثال، في الصفحة 31، حيث يوصف اللاجئون الفلسطينيون على أنهم "بيادق (رهائن)" تم "احتجازهم بشكل متهكم في طي النسيان"). كما أنه يرسم السياسات السابقة لبعض الدول العربية بصورة سلبية، مما قد يقلل من احتمالات دعم هذه الحكومات للخطة - بما في ذلك بعض الدول التي بدت منفتحة على النظر في المبادرة عندما تمّ الإعلان عنها للمرة الأولى. على سبيل المثال، إن وصف عملية "تطهير" بحق الفلسطينيين في دولة الكويت ما بعد التحرير (ص 31) لا يمكنه سوى تنفير الحكومة الكويتية الحالية، التي سيكون دعمها ضرورياً من الناحيتين السياسية والاقتصادية.
الخاتمة
من الضروري وضع مقاربات مبتكرة لعملية السلام في الشرق الأوسط. فقد أسفرت الإخفاقات السابقة عن خلق شعور بالاستسلام، ويمكن للأفكار الجديدة ضخ الطاقة في عملية الاحتضار.
ومع ذلك، يجب على أي مقاربة جديدة أن تأخذ أيضاً في الاعتبار أن المقاربات السابقة لم تكن ببساطة نتاج إيديولوجيا أو تمرُّد - بل عكست أيضاً مصالح حقيقية عبّر عنها كل من الطرفين فضلاً عن أصحاب المصلحة الآخرين. ومن خلال الابتعاد بشكل جذري عن بعض المبادئ الأساسية الواردة في المبادرات السابقة، ربما تكون إدارة ترامب قد قوّضت قدرتها على بناء تحالف دولي لدعم خطتها. وتجلّى ذلك في اجتماعات "الجامعة العربية" و "منظمة التعاون الإسلامي" المذكورة أعلاه، ومن المحتمل أن يستمر في رسم معالم الخطاب الدبلوماسي خلال الأيام المقبلة.

غيث العمري هو زميل أقدم في معهد واشنطن ومستشار سابق لفريق التفاوض الفلسطيني.

Thursday, August 16, 2018

قرارٌ خطير يغيّر قواعد اللعبة

قرارٌ خطير يغيّر قواعد اللعبة
صفحات رأي ومقالات

قرارٌ خطير يغيّر قواعد اللعبة

 "استعراض القاهرة للشؤون العالمية" ( Cairo Review of Global Affairs)
8 آب/أغسطس 2018
في 16 كانون الثاني/يناير 2018، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها لن تصرف إلا 60 مليون دولار من أصل مساهمتها السنوية المقدمة إلى "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" ("الأونروا") والبالغة 300 مليون دولار، وأنها ستعلّق ما تبقى من المساعدات للنظر فيها. ويُعتبر هذا القرار مؤثراً بشكل خاص نظراً لأن الولايات المتحدة لطالما كانت الدولة المانحة الفردية الأكبر للوكالة. ففي عام 2017 على سبيل المثال، ناهزت مساهمة الولايات المتحدة 365 مليون دولار، أي ما يشكّل حوالي ثلث ميزانية المنظمة. وعلى سبيل المقارنة، قدّم ثاني أكبر مساهم - وهو الاتحاد الأوروبي - ما يقارب 143 مليون دولار.  
وشكّل قرار خفض الدعم الممنوح إلى "الأونروا" مفاجأةً حقيقية. ففي حين غالباً ما واجه الدعم الأمريكي إلى الوكالة بعض الانتقادات المحلية - خاصة من قبل بعض أعضاء الكونغرس – إلّا أن الحكومة الأمريكية حافظت على مرّ السنين على دعمها للمنظمة، بقولها أنها تؤدي دوراً يُرسي الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وفي أواخر عام 2017، طمأنت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي "الأونروا" بأنّ المساعدات الأمريكية سوف تقدم قريباً.  
وتشكّل فجائية قرار خفض المساعدات وتأثيرها المحتمل على قدرة "الأونروا" على مواصلة عملها مبعثاً للقلق الشديد نظراً إلى عمق الخدمات التي تقدمها المنظمة واتّساع نطاقها. وإذ تأسست عام 1949، تقدّم "الأونروا" حالياً خدماتها إلى أكثر من 5 ملايين "لاجئ فلسطيني" مسجّل في 5 مناطق عمل هي: الضفة الغربية (بما في ذلك القدس الشرقية) وغزة والأردن ولبنان وسوريا. وفي هذه المناطق، تقدّم المنظمة خدمات اجتماعية رئيسية، حيث تقوم مدارسها بتعليم أكثر من نصف مليون طالب، في حين تعالج مرافقها الصحية أكثر من 8.8 مليون مريض سنوياً. وبالإضافة إلى هذه الخدمات الأساسية، توفّر "الأونروا" أيضاً مساعدات طارئة في أوقات الأزمات، في الوقت الذي تقدم فيه أيضاً التمويل البالغ الصغر وبرامج أخرى لتعزيز الاعتماد على الذات في أوساط المستفيدين من خدماتها.    
وفي حين أن قرار الولايات المتحدة بتعليق الدعم لـ"الأونروا" ربما حقق بعض النتائج الإيجابية، لا سيما التشجيع على تقاسم الأعباء بشكل أكثر إنصافاً والإشارة إلى ضرورة إجراء إصلاحات في الوكالة، إلّا أن هذه النتائج تبدو محدودةً بالمقارنة مع الأثر السلبي الذي يخلّفه القرار. فإجمالي التداعيات الإنسانية المترتبة على المستفيدين من خدمات "الأونروا"، والتأثير على الوضع الإنساني والأمني في غزة، والأثر المزعزع للاستقرار على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وخاصة الأردن، إضافةً إلى عدم فعالية القرار في ممارسة ضغط دبلوماسي على "السلطة الفلسطينية"، جميعها عوامل تبرر بشدة معارضة هذه الخطوة.    
التداعيات السياسية
في حين تتجلى بوضوح التداعيات الإنسانية المترتبة على الخفض الملحوظ في خدمات "الأونروا"، إلّا أن تقييم التداعيات السياسية هو أمر أكثر صعوبة بالنظر إلى الرسائل المتناقضة التي تبعثها إدارة دونلارد ترامب فيما يتعلق بالهدف من هذا القرار. فالسفيرة هالي، التي أشارت في بادئ الأمر إلى عزم الإدارة على قطع تمويل "الأونروا" في 2 كانون الثاني/يناير 2018، أشارت إلى أن تخفيض المساعدات كان يهدف إلى ممارسة الضغط على "السلطة الفلسطينية" من أجل "الموافقة على العودة إلى طاولة المفاوضات". وفي المقابل، لم تربط وزارة الخارجية القرار بالجهود الأكبر التي تبذلها الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بعملية السلام الفلسطينية -الإسرائيلية، وأشارت بدلاً من ذلك إلى أن القرار ينبع من الحاجة إلى تحسين عمليات "الأونروا" من خلال التركيز على الإصلاحات وتقاسم الأعباء.     
وسرعان ما تبيّن أن هذا الالتباس لم يكن نتيجة الفشل في إيصال الرسالة، بل بالأحرى دليلاً على خلافات أعمق واختلال في عملية صنع السياسات ضمن الإدارة الأمريكية. ففي المداولات الداخلية، حظي موقف هالي المتمثل بقطع المساعدات كلياً باعتباره أداة لممارسة الضغط على "السلطة الفلسطينية" بدعم رئيس موظفي البيت الأبيض جون ف. كيلي، وصهر الرئيس ترامب وكبير المستشارين المسؤول عن عملية السلام في الشرق الأوسط جاريد كوشنر. أما وزارة الخارجية، التي يعود لها اتخاذ القرار النهائي في هذا الشأن، ووزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات الأمريكية، فقد عارضت جميعها هذا القرار خوفاً من من تأثيره المزعزع للاستقرار. وفي النهاية، تعيّن على وزير الخارجية آنذاك ريكس تيلرسون التفاوض شخصياً مع الرئيس ترامب لضمان صرف 60 مليون دولار، أي أقل بقليل من نصف القسم الأول من الأموال التي تعهدت الإدارة الأمريكية بمنحها إلى المنظمة.
ولا يعكس هذا الاختلاف في الرسائل وجهات النظر المختلفة إزاء "الأونروا" فحسب، بل أيضاً الاختلاف في المقاربة المعتمدة تجاه قضية السياسة الأمريكية الأكبر المتعلقة بالمساعدات الدولية والمنظمات الدولية. واعتادت وزارة الخارجية على رؤية المساعدات الدولية كأداةً رئيسيةً لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، ولطالما عارضت تسييسها، لا سيما حين يتعلق الأمر بالمساعدات الإنسانية. وقد تعارضت هذه المقاربة التقليدية مع عدم تحبيذ إدارة ترامب العام للمساعدات الأجنبية ولهدف السفيرة هالي الخاص المتمثل بمواءمة الأمم المتحدة بشكل أكبر مع أهداف السياسة الخارجية الأمريكية.  
غير أن غياب الوضوح فيما يتعلق بأهداف هذا القرار قد جعل من الصعب تقييم نجاحه، وتحديد الخطوات الضرورية لاستئناف دعم الولايات المتحدة لوكالة "الأونروا". وبالفعل، في حين أن بعض الأهداف التي حددتها وزارة الخارجية منطقية ويتم الوفاء بها، فمن المرجح أن تكون تلك الأهداف التي ذكرتها السفيرة هالي غير فعالة.    
تحسين عمليات "الأونروا"
لا يمكن تجاهل النقاط التي أثارتها وزارة الخارجية ببساطة. فعلى غرار أي إجراءات بيروقراطية كبيرة - وخاصةٍ في الأمم المتحدة - تعاني "الأونروا" من مستوى [مرتفع] من عدم الكفاءة والهدر. فضلاً عن ذلك، فإن التقارير الموثوقة حول إساءة استخدام منشآت "الأونروا" بين الحين والآخر، لا سيما من قِبل حركة «حماس» في غزة، تُبرر الحذر الدائم الذي تتوخاه الوكالة نفسها وكذلك الجهات المانحة لها. وفي حين تقرّ "الأونروا" بهذه الحاجة وشرعت في جهودها الإصلاحية، يمكن أن تكون إصلاحات أكثر تشدداً تعتمدها الجهات المانحة للمنظمة ومساعي رقابية تقوم بها مفيدة. ومن هذا المنطلق، يُعتبر استخدام المساعدات لتفعيل الإصلاح أداةً شرعية، ولكن لكي تكون هذه الأداة فعالة، لا بدّ من توافر المزيد من الوضوح بشأن أنواع الإصلاحات المرجوة.  
وعلى نحو مماثل، يُعتبر الوضع الذي تموّل فيه الولايات المتحدة "الأونروا" بشكل غير متناسب أمر غير معقول. وكما أشار وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، فهذه هي الحال تماماً عندما يتعلق الأمر بالمساهمات العربية لـ "الأونروا"، التي - باستثناء مساهمة السعودية - لطالما كانت ضئيلة. وإذا ما نظرنا إلى قرار الولايات المتحدة بإعادة دراسة تمويلها من حيث أنه يرمي إلى تقاسم أكثر إنصافاً للأعباء، نجد أنه يؤتي ثماره: فقد زادت السعودية والإمارات وقطر، بالإضافة إلى كندا وعدة بلدان أوروبية مساهماتها من أجل تغطية بعض العجز الناتج عن القرار الأمريكي. ومع ذلك، وعلى الرغم من زيادة المساعدات من هذه الدول، إلّا أن مالية "الأونروا" تكون غير مستدامة من دون درجة معينة من المساعدة الأمريكية. كما أن طبيعة تعليق المساعدات الأمريكية المفتوحة، بالإضافة إلى عدم الوضوح في ما يُعتبر مستوىً مقبولاً من تقاسم الأعباء، يجعلان من الصعب تطبيق هذا الهدف بشكل فعال.     
ممارسة الضغط على "السلطة الفلسطينية"
في حين أنه يمكن الاستفادة من تعليق المساعدة الأمريكية من أجل تحسين عمليات "الأونروا" وتمويلها، إلّا أن ذلك لا يشكّل أداةً فعالةً لتحقيق الهدف الذي أشارت إليه السفيرة هالي المتمثل بممارسة الضغط على القيادة الفلسطينية للمشاركة في المفاوضات. ويدرك قادة "السلطة الفلسطينية" أن استياء الجمهور الفلسطيني من تقليص خدمات "الأونروا" لن ينصبّ على الأرجح على "السلطة الفلسطينية"، بل على الولايات المتحدة وإسرائيل والوكالة نفسها. وعلى هذا النحو، يمكن أن تقف "السلطة الفلسطينية" مع جمهورها في التعبير عن الغضب في الوقت الذي توجّه فيه اللوم على الآخرين. علاوة على ذلك، قد تقرر "السلطة الفلسطينية" على الأرجح أن إسرائيل لا ترغب أيضاً خفضاً مفاجئاً لخدمات "الأونروا" نظراً إلى أثر هذه الخطوة المزعزع للاستقرار، وأنها ستدفع على الأرجح نحو مساعي قنوات ضغط خلفية لحث الولايات المتحدة على استئناف المساعدات.  
وبدلاً من ذلك، استخدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبدهاء، الهجوم المتصوّر على حقوق الفلسطينيين المتمثل بقطع المساعدات المقدمة إلى "الأونروا" والقرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس لمصلحته. وعلى الصعيد المحلي، ومن خلال خطاباته المتشددة، سعى إلى رسم صورة لنفسه كحامي القضية الفلسطينية. أما على الصعيد الخارجي، فقد مكّنته هذه الخطوات من وضع نفسه في صلب الدبلوماسية الإقليمية. والآن فإن أي زعيم عربي يحاول ممارسة الضغط عليه قد يجد نفسه منكشفاً على اتهامات عباس بالتواطؤ والتآمر مع الولايات المتحدة ضد فلسطين.
الأثر على غزة
في حين أنه من غير المرجح أن يؤدي خفض المساعدات الأمريكية إلى تحقيق نجاح في ممارسة ضغط دبلوماسي على "السلطة الفلسطينية"، إلّا أنه سيخلّف أثراً كبيراً على الصعيد الإنساني. وستتحمل غزة الوطأة الأكبر. وإذ يأوي القطاع الساحلي 1.9 مليون شخص، من بينهم 1.3 مليون لاجئ مسجّل لدى "الأونروا"، أخذ الوضع الاقتصادي والإنساني فيه يتدهور باطراد بعد سنوات من الحصار الإسرائيلي وثلاث حروب بين «حماس» وإسرائيل. فضلاً عن ذلك، اقترب القطاع بصورة أكثر من حافة الانهيار الإنساني نتيجة العقوبات التي فرضتها "السلطة الفلسطينية" في عام 2017. وفي حين لطالما كانت "الأونروا" مزوّداً رئيسياً للخدمات الصحية والتعليمية في القطاع الساحلي الغارق في الفقر المدقع، أدى التأثير المركّب للسياسات الإسرائيلية وعقوبات "السلطة الفلسطينية" إلى زيادة كبيرة في الطلب على هذه الخدمات، بما فيها المساعدات الطارئة. فعلى سبيل المثال، بدأ اليوم مليون شخص من سكان غزة يتلقون المساعدات الغذائية من المنظمة. وإلى جانب الأثر المباشر على الخدمات التي توفرها "الأونروا" في غزة، من شأن تراجع أنشطتها أن يترك تداعيات أوسع نطاقاً على الاقتصاد الكلي في القطاع. وفي ظل بلوغ معدل البطالة 41 في المائة، لا يقوم موظفو "الأونروا" في غزة البالغ عددهم 12500 بإعالة عائلاتهم فحسب، بل يمثلون أيضاً مصدراً مهماً للسيولة في القطاع الذي يعاني من ضائقة مالية.
وعليه، فمن المفارقات، أن القرار الأمريكي بخفض المساعدات إلى "الأونروا" يقوّض الهدف الرئيسي للولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وهو ضمان الاستقرار الإنساني والاقتصادي لغزة. وفضلاً عن الضرورة العاجلة لتلبية احتياجات المدنيين في غزة، فإن الحاجة الملحة إلى إرساء الاستقرار الأمني وخفض احتمالات نشوب حرب أخرى بين «حماس» وإسرائيل يحفّزان التركيز الدولي المتجدد على تحسين الوضع في غزة.
وفي هذا الصدد، يقوّض تجميد المساعدات إلى "الأونروا" الجهود الرامية لإرساء الاستقرار في غزة بطريقتين. تتمثل الطريقة الأولى والأكثر وضوحاً، في أن تقويض قدرة الوكالة على توفير الخدمات الحيوية يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية القائمة على النحو المذكور أعلاه. ولكن على نفس القدر من الأهمية، ففي ضوء عدم رغبة "السلطة الفلسطينية" في الاضطلاع بدور قناة المساعدة وإعادة الإعمار من جهة، وعدم رغبة المجتمع الدولي في توزيع المساعدات عن طريق «حماس» من جهة أخرى، تُعتبر "الأونروا" في موقع أفضل بين وكالات الأمم المتحدة لتطبيق خطة استقرار مماثلة في ظل غياب "سلطة" فلسطينية شرعية، نظراً إلى شبكات الوكالة وبنيتها التحتية الواسعة في غزة. وفي هذا الصدد، من شأن قطع المساعدات عن "الأونروا" أن يحرّم المجتمع الدولي من شريك هام في إرساء الاستقرار في غزة، على نحو لا يضر بالفلسطينيين في القطاع فحسب، بل بالاستقرار الإقليمي أيضاً، لا سيما بالنسبة إلى الشعوب المجاورة لغزة في إسرائيل ومصر.
عواقب غير مقصودة
سواء كان الهدف إحداث إصلاحات لـ "الأونروا"، أو ممارسة الضغط على  الفلسطينيين، سيخلّف القرار الأمريكي تداعيات سلبية في مجالات أخرى. فسيتأثر كل من الأردن ولبنان - حيث تستضيف المملكة الهاشمية حوالي 2.2 مليون لاجئ فلسطيني مسجّل في حين تستضيف لبنان 450 ألفاً. ويضمّ هذان البلدان أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين (وفي حالة الأردن، العراقيين أيضاً) الذين أثقلوا أساساً كاهل ميزانيّتَي البلدين وبنيتهما التحتية. إن إضافة المزيد من اللاجئين الذين توفر لهم "الأونروا" خدمات حالياً إلى الخدمات الاجتماعية الوطنية المحدودة الموجودة في هذين البلدين من شأنها أن تمارس ضغطاً إضافياً على مواردهما، وربما تؤدي إلى استنزافها بالكامل.
وناهيك عن الضغط على الميزانية والبنية التحتية، قد يكون لهذا القرار تأثير مزعزع للاستقرار السياسي في الأردن. فوكالة "الأونروا" تقدّم خدماتها إلى 10 مخيمات رسمية تضمّ نحو 370 ألف لاجئ مسجل. ويعتمد المقيمون في هذه المخيمات، إلى جانب الكثير من اللاجئين الذين يعيشون خارجها، على ما توفّره "الأونروا": 171 مدرسة، و25 مركزاً للرعاية الصحية الأولية، و14 مركزاً للبرامج النسائية، وعدداً كبيراً من البرامج التعليمية والاجتماعية الأخرى. وطوال فترة "الربيع العربي" ووسط الاحتجاجات الاقتصادية الدورية التي اندلعت منذ ذلك الحين - ومؤخراً في حزيران/يونيو من هذا العام - خيّم الهدوء بشكل ملحوظ على هذه المخيمات.
ومن المرجح أن يُسْفر هذا الانخفاض الكبير في خدمات "الأونروا" في الأردن إلى تغيير هذا الوضع ويؤدي إلى اضطرابات في المخيمات. ومن الواضح أن هذه الاحتجاجات ستركّز على فقدان الخدمات. وبالفعل، منذ اتخاذ القرار الأمريكي، قام موظفو الوكالة بعدد من الإضرابات المحدودة احتجاجاً على تخفيض الخدمات التي تقدمها المنظمة. لكن مثل هذه الاحتجاجات سيكون لها بعدٌ سياسي على الأرجح. وكما حصل في الماضي، ينظر العديد من اللاجئين إلى أي تغييرات في برامج "الأونروا" على أنها تمهيد لإصدار حكم مسبق على التخلص نهائياً من مسألة اللاجئين في سياق الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، مما يضمن أن يكون للاحتجاجات بُعداً سياسياً. 
وإذا حدثت مثل هذه الاحتجاجات، فمن غير المحتمل أن تستهدف السلطات الأردنية مباشرةً. ولكن، كما هو الحال مع القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، من المرجح أن تؤثر على العلاقات الوثيقة بين الأردن والولايات المتحدة، وأن تٌضيف إلى الشعور بعدم الاستقرار في الوقت الذي تواجه فيه المملكة الهاشمية صعوبات لاستعادة الهدوء في أعقاب الاضطرابات السياسية الناجمة عن التدابير الاقتصادية التي لا تحظى بشعبية. 
مستقبل قاتم
يعتبر السخط الأمريكي من تحمّل حصة غير متكافئة من دعم "الأونروا" والرغبة في رؤية المزيد من الإصلاحات في المنظمة أمر مفهوم، خاصة في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تقليص مساعداتها الدولية الإجمالية. ومع ذلك، فإن تأثير هذا القرار سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار إلى حدّ كبير. ومن شأنه أن يقوّض أهداف الإدارة الخاصة المتمثلة في تحقيق الاستقرار في غزة، وقد يلحق الضرر بالأردن - أحد حلفاء الولايات المتحدة الأكثر إخلاصاً في المنطقة. وبدلاً من أن يُلزم "السلطة الفلسطينية" على الدخول في مفاوضات، سيزيد على الأرجح من تصلّب موقف الجمهور الفلسطيني، الذي سيعتبر هذا الإجراء محاولةً لحرمان اللاجئين من حقوقهم، كما قد يزيد من تعنّت قادتهم بعدم الانخراط في أي جهود دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة. وفي خضم هذه التداعيات السياسية، سيدرك ملايين اللاجئين الذين يعتمدون على خدمات "الأونروا" أن حياتهم تتأثر بشكلٍ سلبي.
وحتى الآن، لا يوجد قرار نهائي في الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بصرف ما تبقى من تعهداتها إلى "الأونروا". وفي الحالة المثالية، سيتمّ صرف هذه الأموال فور التوصل إلى ترتيبات أكثر إنصافاً تقوم على تقاسم الأعباء مع الجهات المانحة اللأخرى، وفور تحقيق أهداف الإصلاحات. ولكن إذا قررت الولايات المتحدة وقف تمويل "الأونروا" بالكامل، فعندئذ تبدو آفاق المنظمة قاتمةً، مع ما يرافقها من تداعيات سلبية بشكل عام. وفي حين قد تتدخل بلدان أخرى لتغطية بعض الفجوات التمويلية، إلّا أنه من غير المرجح أن يسفر ذلك عن تغطية العجز الكلي الذي خلّفه القرار الأمريكي نظراً للمطالب الإنسانية التنافسية الأخرى في المنطقة الأوسع. وبينما تستطيع "الأونروا" الحدّ من بعض خدماتها، إلّا أن مثل هذه التخفيضات ستؤثر على السكان المستفيدين، ومعظمهم يتخبط بالفعل في وضع إنساني صعب. إن مثل هذه التخفيضات ستؤدي حتماً إلى نشوب اضطرابات.
وإذا ما قررت الولايات المتحدة في نهاية المطاف التراجع عن هذا القرار أو بلورته ليصبح خفضاً رسمياً للمساعدات إلى "الأونروا" فسيكون مؤشراً على ما إذا كانت الحكومة الأمريكية تتمتع بالرغبة والمهارة للسعي إلى تحقيق هدفها المعلن المتمثل بتعزيز الاستقرار وتحقيق السلام في النهاية بين إسرائيل والفلسطينيين، أو ما إذا كانت الولايات المتحدة تنسحب بالفعل من هذا الصراع.

غيث العمري هو زميل أقدم في معهد واشنطن. وقد شغل سابقاً منصب المدير التنفيذي لـ "فرقة العمل الأمريكية المعنية بفلسطين"، وعمل مستشاراً لفريق التفاوض الفلسطيني بين 1999-2006، حيث شارك في عدد من جولات المفاوضات من بينها "قمة كامب ديفيد" عام 2000.

Thursday, April 19, 2018

قمة الدمام: اختبار حدود العلاقة العربية -الإسرائيلية

قمة الدمام: اختبار حدود العلاقة العربية -الإسرائيلية
تنبيه سياسي

قمة الدمام: اختبار حدود العلاقة العربية -الإسرائيلية

 13 نيسان/أبريل 2018
في الآونة الأخيرة، أظهر بعض الزعماء العرب تحولاً ملحوظاً في اللهجة التي يتحدثون بها في تصريحاتهم غير الرسمية إزاء إسرائيل، كما حصل حين صرّح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لمجلة  "ذي أتلانتيك" في وقت سابق من هذا الشهر بأن "الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة". لكن هذا التغير لم يتجاوز التعاون الأمني السري ليطال السياسات الفعلية أو الخطاب الدبلوماسي الرسمي. وستمثل القمة العربية، المقرر عقدها في 15 نيسان/أبريل في مدينة الدمام السعودية، فرصة لرؤية مدى استعداد ولي العهد وغيره من القادة العرب للمضي قدماً في هذا الخصوص.  
لكن القضية الفلسطينية لن تكون من ضمن أهم بنود أجندة القمة أو حتى في سلّم أولويات معظم المشاركين مقارنةً بالأمور الأكثر إلحاحاً مثل إيران وسوريا واليمن وليبيا. وبالفعل، مع بعض الاستثناءات- مثل قمة بيروت عام 2002 التي أقرّت "مبادرة السلام العربية" المبتكرة - تميل هذه الاجتماعات إلى التعامل مع القضية الفلسطينية بطرق محددة الصيغة.     
غير أنه خلال نهاية الأسبوع الحالي، من المرجح أن يسعى رئيس "السلطة الفلسطينية" محمود عباس إلى تحويل الأنظار نحو شعبه- أو، إذا لم ينجح في ذلك، سيحدد، على الأقل، لهجة الخطاب العربي تجاه إسرائيل - من خلال التركيز على أربع مسائل:
  • ضمان إدانة قوية لردّ إسرائيل على التظاهرات المستمرة في غزة، وكذلك وعود باتخاذ إجراءات دبلوماسية ملموسة.
  • السعي إلى رفض عربي حازم وقوي وموحّد لقرار واشنطن القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
  • إلزام الدول العربية برفض جماعي لأي خطة سلام أمريكية لا تلبي المصالح الفلسطينية.
  • منع أي تقدّم مستقبلي في العلاقات الثنائية العربية -الإسرائيلية من خلال السعي إلى إعادة التأكيد الرسمي على النهج المنصوص عليه في "مبادرة السلام العربية"، التي تنص على عدم إمكانية بدء أي تطبيع مماثل قبل إنهاء إسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية.
ومن خلال هذه الخطوة، من المرجّح أن يناشد عباس الرأي العام العربي، الذي لا يزال يُعتبر معادياً لإسرائيل إلى حدّ كبير. كما سيعتمد على المسؤولين والمؤسسات التي تفضّل المقاربة العربية التقليدية تجاه إسرائيل - وهي متوافرة بأعداد كبيرة. على سبيل المثال، دعا الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط مؤخراً "المحكمة الجنائية الدولية" إلى التحقيق في الاشتباكات في غزة، في حين أفاد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير للمشاركين في مؤتمر لـ "مؤسسة بروكينغز" في واشنطن في 22 آذار/مارس أننا "نعتقد أن عملية السلام ستؤتي ثمارها في النهاية وليس في البداية، إذ عندها أين يكمن الحافز [لتحقيق السلام]؟"        
وسواء كان عباس مقنعاً أم لا، لن يكون هناك احتضان حار لإسرائيل في نهاية هذا الأسبوع، ولا شكّ في أن البيان الختامي لمؤتمر القمة سينتقد الدولة [اليهودية]. لكن معالجة الوثيقة للقضايا الأربع المذكورة أعلاه ستوضح ما إذا كانت اللهجة الجديدة التي اعتمدها بعض الزعماء [العرب] في الأسابيع الأخيرة قد غيّرت بالفعل المعتقد العربي بشأن دبلوماسية السلام.   
وبطبيعة الحال، لن تكون نتائج القمة مؤشراً قاطعاً على المقاربة التي سيعتمدها القادة الأفراد تجاه العلاقات الثنائية مع إسرائيل في المستقبل. وقد يكون البعض منهم قد خلَصَ إلى أن الاجتماعات القديمة لـ "الجامعة العربية" القائمة على مبدأ العروبة لا تمثل المنتدى المثالي للإعلان عن التخلي الرسمي عن العقيدة العربية. كما قد يعتبرون، بصورة صحيحة، بأنه مهما كان قرار القمة فلن يكون له سوى تأثير ضئيل أو لا يكون له أي تأثير على كيفية ممارسة الدول الأعضاء فعلياً لسياستها. وربما يرى البعض الآخر أن المزيد من التطبيع مع إسرائيل - بما يرافقه من تكاليف سياسية ودبلوماسية - ليس أمراً ملحاً، لا سيما وأن التعاون الأمني ​​السري المستمر يلبي احتياجاتهم العاجلة.    
ومع ذلك، ستسلّط نتيجة القمة الضوء على مدى استعداد حلفاء أمريكا في المنطقة لتقديم رأس مال دبلوماسي وسياسي من أجل إحداث تغيير في إستراتيجية عملية السلام بشكل علني. وأفادت تقارير أن بعض الزعماء العرب أشاروا في المجالس الخاصة إلى أنهم سيدعمون مقاربة أمريكية جديدة لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. يجب على الديناميكيات التي يتم عرضها في القمة أن ترسم معالم حسابات واشنطن حول مدى إمكانية الاعتماد على هؤلاء القادة من أجل دعم سياساتها علناً في مواجهة اعتراضات "السلطة الفلسطينية" والعرب. وفي حين أن عكس المواقف القائمة منذ فترة طويلة حول النزاع قد يكون أمراً بعيد المنال نظراً إلى القضايا الأكثر إلحاحاً المطروحة على الطاولة، يجب على الولايات المتحدة أن تشجع على الأقل حلفاءها العرب على رفض أي قرارات تصدر عن القمة من شأنها جعل المواقف أكثر تشدداً والحدّ من احتمالات أي دبلوماسية مستقبلية.  

غيث العمري، زميل أقدم في معهد واشنطن، عمل سابقاً في عدة مناصب استشارية مع "السلطة الفلسطينية".